mahfod
07-31-2008, 11:41 PM
فهمي هويدي
لا تكف تركيا عن إدهاشنا حتى في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ، حتى جعلت المحكمة الدستورية تنظر الآن في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شؤونها!
هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز، الامر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الاسبق الى القول بأنك في تركيا لا تستطيع ان تعرف ماذا سيحدث خلال الاربع والعشرين ساعة التالية. لذلك فلا غرابة في ان تكون احدى اهم مشكلات الصحفيين هناك انهم يجدون انفسهم مضطرين للركض واللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الاحداث التي لا تستكين. احدث حلقات ذلك المسلسل وقعت امس (الاثنين) حين بدأت المحكمة الدستورية في نظر دعوى المطالبة بإغلاق الحزب الحاكم وحرمان قياداته من العمل السياسي، في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الوزراء. وفي الوقت ذاته يجري الاعداد لمحاكمة ٨٨ شخصا آخرين يشتبه في انتسابهم الى اخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر، بتهمة الاعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم.
المشهد من الخارج يبدو صراعا بين حزب العدالة والتنمية الذي يلاحق قادته وأعضاؤه بتهمة خلفيتهم الاسلامية، وبين قوى التطرف العلماني. لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عاما، وبين المجتمع الذي اعرض عنها وصوتت اغلبيته للطرف الذي اقتنعت بأنه الأصدق في التعبير عنه.
الباحث التركي البروفسور محمد التان وصف ما تشهده البلاد الآن بأنه انتقال من الجمهورية التركية الاولى الى الجمهورية الثانية. الاولى هي دولة »الاتحاد و الترقي«، تلك المنظمة السرية التي اطاحت نظام السلطان عبد الحميد الثاني، عن طريق المؤامرات السرية داخل الجيش العثماني وعمليات الاغتيال وتأليب الرأي العام. وحكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين الى قيام الجمهورية. ويعتقد الاستاذ التان ومعه عدد من المثقفين الديموقراطيين ان جمعية الاتحاد والترقي تناسلت واستمرت منذ حكم اتاتورك وحلفائه الى يومنا هذا. وهي تقوم على عقيدة نخبوية تزدري الشعب وتعادي الدين، وتحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية. ولأجل الحفاظ على امتيازات حكمها، فإنها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة. اما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة، وتتصالح مع الدين ولا تعاديه.
في شهر مارس الماضي قدم المدعي العالم التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبا الى المحكمة الدستورية العليا دعا فيه الى حظر حزب العدالة و التنمية الحاكم، ومنع ٧١ شخصا من قياداته وأعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني ومحاولة قلبه. قدم الرجل ١٧ ملفا الى المحكمة تضمنت ٢٥٠٠ صفحة حفلت بالأدلة والقرائن التي استند اليها في دعواه. وكان منها اخبار نشرتها الصحف تحدثت عما يلي: اتجاه الحكومة الى تجميع الحانات التي تبيع الخمور في اماكن معينة في المدن ـ منع بلدية اسطنبول اعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة ـ تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الائمة والخطباء في اسطنبول ـ تصريحات اردوغان (رئيس الوزراء) بعد قرار المحكمة الاوروبية بشأن حظر الحجاب، التي قال فيها ان موضوع الحجاب يجب ان يسأل فيه العلماء ـ اتهام رئيس بلدية من اعضاء الحزب الحاكم بأنه روى ذات مرة طرفة (نكتة) عن اتاتورك ـ قول رئيس البرلمان السابق بولنت ارينج بأنه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبق في تركيا ـ تصريحات اردوغان التي قال فيها ان الحكومة ستسعى الى رفع الحجاب والطلب الذي قدمه الحزب الحاكم وحزب الحركة القومية بهذا الخصوص الى البرلمان.
رغم ان هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت على اخبار نشرتها الصحف التي هي احدى ادوات الصراع، الا ان المدعي العام استند اليها في اتهام الحزب الحاكم بأنه يسعى الى تفويض النظام العلماني ويعمل بصورة خفية على اقامة دولة اسلامية!
المحكمة الدستورية قبلت بإجماع اعضائها الاحد عشر النظر في دعوى الحظر، حيث لم تكن هذه هي المرة الاولى التي تبحث فيها قضية من هذا النوع. اذ منذ تأسيسها في عام ١٩٦٣ قامت بحظر ٢٤ حزبا، كانت الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او الكردية في المقدمة منها. اذ في عام ١٩٧٠ قضت بحل حزب »النظام العام« الذي اسسه نجم الدين اربكان، و في عام ١٩٨٨ حلت حزبا آخر اسسه اربكان باسم »الرفاه«. و في عام ٢٠٠١ قضت بحل حزب ثالث اسسه باسم »الفضيلة«. ومعروف ان الجيش كان قد قام عام ١٩٨٠ بانقلاب ادى الى حظر آخر لاربكان باسم حزب »الخلاص«.
اغلب الظن ان المدعى العام حين قدم طلبه الى المحكمة الدستورية كان مطمئنا الى ان اعضاءها يقفون في صفه. فأعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر، وهو بدوره علماني متطرف و كان من اعداء حزب العدالة والتنمية. علما بأن بعض اعضاء تلك المحكمة ينتمون الى الطائفة العلوية المعادية تاريخيا لأي اجراء له صلة بالانتماء الاسلامي. وجدير بالذكر في هذا الصدد ان اثنين من الشخصيات العلوية توليا حقيبة وزارة العدل في السابق، هما محمد موغو لتاي وحكمت سامي ترك. وأثناء وجودهما على رأس الوزارة انخرط في سلك القضاء عدد غير قليل من العلويين، تدرج بعضهم في سلك الوظيفة حتى وصلوا الى المحكمة الدستورية العليا.
امس بدأت المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية، ويفترض ان تصدر قرارها بشأنه قبل ان ينتهي شهر اغسطس. وهذا القرار لن يخرج عن واحد من الاحتمالات الخمسة: الاول ان تقرر المحكمة اغلاق الحزب و فرض حظر سياسي على قادته وأعضائه المتهمين لمدة خمس سنوات ـ الثاني إغلاق الحزب مع فرض الحظر السياسي على بعض الاسماء ـ الثالث عدم اغلاق الحزب مع فرض الحظر السياسي على كل او بعض الاسماء ـ الرابع عدم اغلاق الحزب وعدم فرض اي حظر سياسي، ولكن فرض عقوبة مالية عليه، مثل حظر المساعدات المالية التي تقدمها الدولة له ـ الاحتمال الاخير ان يبرأ الحزب من التهم المنسوبة اليه.
ورغم ان هذه الاحتمالات ظلت تلوح في الافق منذ تقديم طلب المدعى العام في شهر مارس الماضي، الا ان اعلان الخبر كان له وقع الصدمة على الساحة التركية. وكان المجال الاقتصادي الاكثر تأثرا به. ذلك انه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة والتنمية في السلطة، شهدت تركيا استقرارا ونهوضا اقتصاديا غير مسبوق. ففي حين كان معدل الاستثمار الاجنبي قبل وصول الحزب الى السلطة اقل من مليار دولار سنويا، فإذا بهذا الرقم يتضاعف ويصل الى ٢٢ مليار دولار في عام .٢٠٠٧ وحين اعلن عن رفع قضية اغلاق الحزب اهتزت الاسواق بسرعة، فانهارت البورصة بنسبة ٧ في المئة وهي اعلى نسبة للهبوط منذ سبع سنوات، وارتفعت نسبة الفائدة وزادت نسبة التضخم. وخلال اسبوعين فقط من رفع الدعوى هربت الى الخارج رؤوس اموال قدرت بـ١٥ مليار دولار. وإزاء ذلك لم يكن غريبا ان تسوء سمعة تركيا الاقتصادية، حتى ان مؤسسة »ستاندرز آند بورز« العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي، قامت بخفض درجتها من الموجب الى السالب، الامر الذي يعني ان الدعوى التي رفعها المدعي العام لم توجه الضربة الى حزب العدالة وحده، بل اصابت بدرجة اكبر الوضع الاقتصادي لتركيا.
الاخطر من قضية حزب العدالة والتنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم »ارجنكون« ويشار اليها في الادبيات السياسية التركية بأنها »الحكومة العميقة«، التي تضم مجموعة من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرفها العلماني والولاء للتعاليم الاتاتوركية، بما تتضمنه من مخاصمة للتعاليم الاسلامية. وهي في ذلك تقتفي اثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين، على عكس الانكيلزية المتصالحة معه.
فجر الجمعة ٢١ آذار/ مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الارهاب بمداهمة ٢٢ عنوانا مختلفا في اسطنبول وأنقرة، وألقت القبض على ١٤ شخصا بينهم ثلاثة اسماء لامعة من اركان الصف الاول في تيار التطرف العلماني. الاول الهان سلجوق رئيس تحرير جريدة »جمهوريت« التي اسسها اتاتورك وتعد لسان حال الايديولوجيا الكمالية، ودوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي (الحزب الشيوعى الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته) وكمال علعمدار اوغلو، الرئيس السابق لجامعة اسطنبول، الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب. ومن هؤلاء ايضا قائد الجيش الاول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون، وقائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر ارويفور، الذي يرأس »جمعية الفكر الكمالي«. هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الامنية الجارية منذ شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي في قضية شبكة »ارجنكون«، حيث عثرت الشرطة في احد منازل اسطنبول على مجموعة من الاسلحة المستخدمة في عمليات ارهابية، كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة. وتم آنذاك اعتقال ٣٩ شخصا بينهم عدد من ضباط الجيش المتقاعدين والاكاديميين ورجال الاعمال والصحافيين.
ذكرت صحيفة »صباح« ان المداهمات التي تمت في مارس الماضي ادت الى ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب على الحكومة التركية، تضمنت البدء بتقويض ثقة الرأي العام في الحزب الحاكم وإثارة الجماهير ضده، قبل الضغط لاسقاطه. ونشر الكاتب علي بايرام اوغلو في زاويته بجريدة »الفجر الجديد« المؤيدة للحكومة، نص مقالة لجنرال متقاعد نشرته صحيفة »جمهوريت« في الثالث من شباط/فبراير الماضي (قبل تقديم دعوى حظر الحزب)، قال فيها ما نصه: الاسلام السياسي يحكم تركيا اليوم، ولم يبق امامنا سوى ابعاد حزب العدالة والتنمية عن الحكم... والخطوة الاولى في هذه الحملة هي رفع دعوى ضده، بعدما اصبح مركزا للممارسات المناهضة للعلمانية امام المحكمة الدستورية، من قبل مدعي عام المحكمة العليا، وصولا الى حظر نشاطه«.
تحدثت الصحف التركية عن ان الثلاثة الكبار الذين ألقي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الامنية منذ كانون الثاني/يناير الماضي، وان مكالماتهم الهاتفية سجلت، مما اعطى للمحققين اشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة. كما بينت ان الهان سلجوق رئيس تحرير »جمهوريت« كان على معرفة مسبقة بالدعوى التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة والتنمية وفرض الحجر السياسي على قادته.
حتى اذا تم حظر الحزب، فإن اعضاءه سيشكلون حزبا آخر. والذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي، يمكن ان يرشحوا انفسهم كمستقلين، وستظل اغلبية اعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة، الامر الذي يعني ان خسارة الحزب ستكون محدودة، بالمقارنة بالخسارة التي يمكن ان تلحق بشبكة »ارجنكون«، التي يتعرض رموزها للمحاكمة في اول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود. حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم »شبحي« تتيقن الطبقة السياسية من وجوده، لكن احدا لم يتعرف على شخوصه، الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام.
انها المعركة الاخيرة والضربة القاضية لتيار التطرف العلماني، الذي مني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب، وظهور قوى ديموقراطية كسرت الوصاية المفروضة، والتزمت بالعلمانية التي هي حجر الاساس في النظام الجمهوري التركي، ولكن بمفهوم ايجابي يؤمن بالمجتمع ويتصالح مع الدين، كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون و تمسكوا بإدارة عجلته الى الوراء طوال ٨٠ عاما.
([) كاتب مصري
لا تكف تركيا عن إدهاشنا حتى في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ، حتى جعلت المحكمة الدستورية تنظر الآن في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شؤونها!
هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز، الامر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الاسبق الى القول بأنك في تركيا لا تستطيع ان تعرف ماذا سيحدث خلال الاربع والعشرين ساعة التالية. لذلك فلا غرابة في ان تكون احدى اهم مشكلات الصحفيين هناك انهم يجدون انفسهم مضطرين للركض واللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الاحداث التي لا تستكين. احدث حلقات ذلك المسلسل وقعت امس (الاثنين) حين بدأت المحكمة الدستورية في نظر دعوى المطالبة بإغلاق الحزب الحاكم وحرمان قياداته من العمل السياسي، في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الوزراء. وفي الوقت ذاته يجري الاعداد لمحاكمة ٨٨ شخصا آخرين يشتبه في انتسابهم الى اخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر، بتهمة الاعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم.
المشهد من الخارج يبدو صراعا بين حزب العدالة والتنمية الذي يلاحق قادته وأعضاؤه بتهمة خلفيتهم الاسلامية، وبين قوى التطرف العلماني. لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عاما، وبين المجتمع الذي اعرض عنها وصوتت اغلبيته للطرف الذي اقتنعت بأنه الأصدق في التعبير عنه.
الباحث التركي البروفسور محمد التان وصف ما تشهده البلاد الآن بأنه انتقال من الجمهورية التركية الاولى الى الجمهورية الثانية. الاولى هي دولة »الاتحاد و الترقي«، تلك المنظمة السرية التي اطاحت نظام السلطان عبد الحميد الثاني، عن طريق المؤامرات السرية داخل الجيش العثماني وعمليات الاغتيال وتأليب الرأي العام. وحكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين الى قيام الجمهورية. ويعتقد الاستاذ التان ومعه عدد من المثقفين الديموقراطيين ان جمعية الاتحاد والترقي تناسلت واستمرت منذ حكم اتاتورك وحلفائه الى يومنا هذا. وهي تقوم على عقيدة نخبوية تزدري الشعب وتعادي الدين، وتحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية. ولأجل الحفاظ على امتيازات حكمها، فإنها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة. اما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة، وتتصالح مع الدين ولا تعاديه.
في شهر مارس الماضي قدم المدعي العالم التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبا الى المحكمة الدستورية العليا دعا فيه الى حظر حزب العدالة و التنمية الحاكم، ومنع ٧١ شخصا من قياداته وأعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني ومحاولة قلبه. قدم الرجل ١٧ ملفا الى المحكمة تضمنت ٢٥٠٠ صفحة حفلت بالأدلة والقرائن التي استند اليها في دعواه. وكان منها اخبار نشرتها الصحف تحدثت عما يلي: اتجاه الحكومة الى تجميع الحانات التي تبيع الخمور في اماكن معينة في المدن ـ منع بلدية اسطنبول اعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة ـ تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الائمة والخطباء في اسطنبول ـ تصريحات اردوغان (رئيس الوزراء) بعد قرار المحكمة الاوروبية بشأن حظر الحجاب، التي قال فيها ان موضوع الحجاب يجب ان يسأل فيه العلماء ـ اتهام رئيس بلدية من اعضاء الحزب الحاكم بأنه روى ذات مرة طرفة (نكتة) عن اتاتورك ـ قول رئيس البرلمان السابق بولنت ارينج بأنه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبق في تركيا ـ تصريحات اردوغان التي قال فيها ان الحكومة ستسعى الى رفع الحجاب والطلب الذي قدمه الحزب الحاكم وحزب الحركة القومية بهذا الخصوص الى البرلمان.
رغم ان هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت على اخبار نشرتها الصحف التي هي احدى ادوات الصراع، الا ان المدعي العام استند اليها في اتهام الحزب الحاكم بأنه يسعى الى تفويض النظام العلماني ويعمل بصورة خفية على اقامة دولة اسلامية!
المحكمة الدستورية قبلت بإجماع اعضائها الاحد عشر النظر في دعوى الحظر، حيث لم تكن هذه هي المرة الاولى التي تبحث فيها قضية من هذا النوع. اذ منذ تأسيسها في عام ١٩٦٣ قامت بحظر ٢٤ حزبا، كانت الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او الكردية في المقدمة منها. اذ في عام ١٩٧٠ قضت بحل حزب »النظام العام« الذي اسسه نجم الدين اربكان، و في عام ١٩٨٨ حلت حزبا آخر اسسه اربكان باسم »الرفاه«. و في عام ٢٠٠١ قضت بحل حزب ثالث اسسه باسم »الفضيلة«. ومعروف ان الجيش كان قد قام عام ١٩٨٠ بانقلاب ادى الى حظر آخر لاربكان باسم حزب »الخلاص«.
اغلب الظن ان المدعى العام حين قدم طلبه الى المحكمة الدستورية كان مطمئنا الى ان اعضاءها يقفون في صفه. فأعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر، وهو بدوره علماني متطرف و كان من اعداء حزب العدالة والتنمية. علما بأن بعض اعضاء تلك المحكمة ينتمون الى الطائفة العلوية المعادية تاريخيا لأي اجراء له صلة بالانتماء الاسلامي. وجدير بالذكر في هذا الصدد ان اثنين من الشخصيات العلوية توليا حقيبة وزارة العدل في السابق، هما محمد موغو لتاي وحكمت سامي ترك. وأثناء وجودهما على رأس الوزارة انخرط في سلك القضاء عدد غير قليل من العلويين، تدرج بعضهم في سلك الوظيفة حتى وصلوا الى المحكمة الدستورية العليا.
امس بدأت المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية، ويفترض ان تصدر قرارها بشأنه قبل ان ينتهي شهر اغسطس. وهذا القرار لن يخرج عن واحد من الاحتمالات الخمسة: الاول ان تقرر المحكمة اغلاق الحزب و فرض حظر سياسي على قادته وأعضائه المتهمين لمدة خمس سنوات ـ الثاني إغلاق الحزب مع فرض الحظر السياسي على بعض الاسماء ـ الثالث عدم اغلاق الحزب مع فرض الحظر السياسي على كل او بعض الاسماء ـ الرابع عدم اغلاق الحزب وعدم فرض اي حظر سياسي، ولكن فرض عقوبة مالية عليه، مثل حظر المساعدات المالية التي تقدمها الدولة له ـ الاحتمال الاخير ان يبرأ الحزب من التهم المنسوبة اليه.
ورغم ان هذه الاحتمالات ظلت تلوح في الافق منذ تقديم طلب المدعى العام في شهر مارس الماضي، الا ان اعلان الخبر كان له وقع الصدمة على الساحة التركية. وكان المجال الاقتصادي الاكثر تأثرا به. ذلك انه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة والتنمية في السلطة، شهدت تركيا استقرارا ونهوضا اقتصاديا غير مسبوق. ففي حين كان معدل الاستثمار الاجنبي قبل وصول الحزب الى السلطة اقل من مليار دولار سنويا، فإذا بهذا الرقم يتضاعف ويصل الى ٢٢ مليار دولار في عام .٢٠٠٧ وحين اعلن عن رفع قضية اغلاق الحزب اهتزت الاسواق بسرعة، فانهارت البورصة بنسبة ٧ في المئة وهي اعلى نسبة للهبوط منذ سبع سنوات، وارتفعت نسبة الفائدة وزادت نسبة التضخم. وخلال اسبوعين فقط من رفع الدعوى هربت الى الخارج رؤوس اموال قدرت بـ١٥ مليار دولار. وإزاء ذلك لم يكن غريبا ان تسوء سمعة تركيا الاقتصادية، حتى ان مؤسسة »ستاندرز آند بورز« العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي، قامت بخفض درجتها من الموجب الى السالب، الامر الذي يعني ان الدعوى التي رفعها المدعي العام لم توجه الضربة الى حزب العدالة وحده، بل اصابت بدرجة اكبر الوضع الاقتصادي لتركيا.
الاخطر من قضية حزب العدالة والتنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم »ارجنكون« ويشار اليها في الادبيات السياسية التركية بأنها »الحكومة العميقة«، التي تضم مجموعة من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرفها العلماني والولاء للتعاليم الاتاتوركية، بما تتضمنه من مخاصمة للتعاليم الاسلامية. وهي في ذلك تقتفي اثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين، على عكس الانكيلزية المتصالحة معه.
فجر الجمعة ٢١ آذار/ مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الارهاب بمداهمة ٢٢ عنوانا مختلفا في اسطنبول وأنقرة، وألقت القبض على ١٤ شخصا بينهم ثلاثة اسماء لامعة من اركان الصف الاول في تيار التطرف العلماني. الاول الهان سلجوق رئيس تحرير جريدة »جمهوريت« التي اسسها اتاتورك وتعد لسان حال الايديولوجيا الكمالية، ودوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي (الحزب الشيوعى الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته) وكمال علعمدار اوغلو، الرئيس السابق لجامعة اسطنبول، الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب. ومن هؤلاء ايضا قائد الجيش الاول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون، وقائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر ارويفور، الذي يرأس »جمعية الفكر الكمالي«. هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الامنية الجارية منذ شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي في قضية شبكة »ارجنكون«، حيث عثرت الشرطة في احد منازل اسطنبول على مجموعة من الاسلحة المستخدمة في عمليات ارهابية، كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة. وتم آنذاك اعتقال ٣٩ شخصا بينهم عدد من ضباط الجيش المتقاعدين والاكاديميين ورجال الاعمال والصحافيين.
ذكرت صحيفة »صباح« ان المداهمات التي تمت في مارس الماضي ادت الى ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب على الحكومة التركية، تضمنت البدء بتقويض ثقة الرأي العام في الحزب الحاكم وإثارة الجماهير ضده، قبل الضغط لاسقاطه. ونشر الكاتب علي بايرام اوغلو في زاويته بجريدة »الفجر الجديد« المؤيدة للحكومة، نص مقالة لجنرال متقاعد نشرته صحيفة »جمهوريت« في الثالث من شباط/فبراير الماضي (قبل تقديم دعوى حظر الحزب)، قال فيها ما نصه: الاسلام السياسي يحكم تركيا اليوم، ولم يبق امامنا سوى ابعاد حزب العدالة والتنمية عن الحكم... والخطوة الاولى في هذه الحملة هي رفع دعوى ضده، بعدما اصبح مركزا للممارسات المناهضة للعلمانية امام المحكمة الدستورية، من قبل مدعي عام المحكمة العليا، وصولا الى حظر نشاطه«.
تحدثت الصحف التركية عن ان الثلاثة الكبار الذين ألقي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الامنية منذ كانون الثاني/يناير الماضي، وان مكالماتهم الهاتفية سجلت، مما اعطى للمحققين اشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة. كما بينت ان الهان سلجوق رئيس تحرير »جمهوريت« كان على معرفة مسبقة بالدعوى التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة والتنمية وفرض الحجر السياسي على قادته.
حتى اذا تم حظر الحزب، فإن اعضاءه سيشكلون حزبا آخر. والذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي، يمكن ان يرشحوا انفسهم كمستقلين، وستظل اغلبية اعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة، الامر الذي يعني ان خسارة الحزب ستكون محدودة، بالمقارنة بالخسارة التي يمكن ان تلحق بشبكة »ارجنكون«، التي يتعرض رموزها للمحاكمة في اول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود. حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم »شبحي« تتيقن الطبقة السياسية من وجوده، لكن احدا لم يتعرف على شخوصه، الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام.
انها المعركة الاخيرة والضربة القاضية لتيار التطرف العلماني، الذي مني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب، وظهور قوى ديموقراطية كسرت الوصاية المفروضة، والتزمت بالعلمانية التي هي حجر الاساس في النظام الجمهوري التركي، ولكن بمفهوم ايجابي يؤمن بالمجتمع ويتصالح مع الدين، كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون و تمسكوا بإدارة عجلته الى الوراء طوال ٨٠ عاما.
([) كاتب مصري